اسماعيل بن محمد القونوي
77
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها كما أن الواقع حالا هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل ) جواب آخر الأول بناء على تسليم كون الإماتة معدودة من النعم وهذا منع لذلك ولو عكس الجواب لكان أقرب إلى الصواب إذ ظاهره منع التسليم ويأبى عنه الطبع القويم هو المعنى المنتزع من القصة وهو خلقهم أحياء مرة بعد أخرى وهذا المعنى المنتزع موقوف على ذكر الإماتة ولا ريب في كون المعنى المنتزع المذكور نعمة وإن لم يكن كل واحدة من الجمل المنتزع هذا المعنى منها نعمة كما أن الواقع حالا هو العلم بها لما عرفت من استفادة العلم من قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] لكن هذا ليس مختصا بالوجه الأخير بل على الأوجه الأول أيضا الواقع حالا هو العلم بها لما سيذكره لا كل واحدة من الجمل حتى يرد الإشكال المذكور والقرينة على ذلك ظهور عدم كون الإماتة نعمة بلا تأويل لكن لها مدخل في حصول المعنى المنتزع كما عرفت وإلا لم يكن لذكرها فائدة . قوله : ( فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح أن يقع حالا ) تعليل لكون عدم كل واحدة منها حالا لا لكون عدم كل واحدة منها نعمة وهو ظاهر ولظهوره تركه وقد ذكرنا وجهه ولا تعليل أيضا لكون الواقع حالا العلم بها وعدم التعرض لعلته مع أنه من جملة المدعي لما ذكرنا من التقييد بالحال في مثل هذا الموضع إنما يفيد إذا كان مضمون الحال معلوما للمخاطب إذ التوبيخ والاستبعاد إنما يحصل حين العلم بها فلما لم يصح كون مضمون الجملة حالا عدل إلى العلم بها وكلاهما لا يصح الخ لأن العامل وهو قوله : مع أن المعدود عليهم نعمه هو المعنى المنتزع من القصة فعلى هذا لا يلزم أن يكون جميع ما ذكر في القصة معدودة من النعم بل يكفي أن يوجد فيها ما يعد نعمة ولو كانت واحدة كالاحياء . قوله : كما أن الواقع حالا هو العلم بها أي علمهم بالقصة فإنه لولا التأويل بالعلم لما صح نفس ما وقع في القصة من الاحياء المقتضي والرجع المتراقب إليه أن يقع حالا من فاعل تَكْفُرُونَ [ البقرة : 28 ] لأن الحال يجب أن يكون مقارنا لعامل ذي الحال والماضي المنصرم والمستقبل المترقب إليه لا يقارنان الحال وأما العلم بمضمون القصة فمقارن له وفيه تأويل آخر غير هذا التأويل وهو أن يقدر قد ليقرب الماضي من الحال لكن حينئذ أشكل أمر الرجع لأن قد وإن قرب الماضي من الحال لكن لا يقرب المستقبل منه فالتأويل الأول أولى قال صاحب الكشاف فإن قلت فكيف صح أن يكون حالا وهو ماض ولا يقال جئت وقام الأمير ولكن وقد قام إلا أن يضمر قد قلت لم يدخل الواو على كُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] وحده ولكن على جملة قوله كُنْتُمْ أَمْواتاً إليّ ترجعون كأنه قيل كيف تكفرون باللّه وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم بعد الموت ثم يحاسبكم ثم قال فإن قلت بعد القصة ماض وبعضه مستقبل والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه فما الحاضر الذي وقع حالا قلت هو العلم بالقصة كأنه قيل تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها .